أهم ألآخبار

01‏/02‏/2024

من كتابي أعلام الشعر العربي في حلب شاعر ظلمه عصره محمد نديم خديجة 1929- 2005 يقف الأديب الشاعر محمد نديم خديجة في هذا العصر في طليعة أدبائنا الذين يناهضون النهج الذي يراه صورة لتردي الأدب في هذا العصر ، ولهذا فهو يدافع عن الشعر العربي الأصيل (كما يراه) ويجد أن هذا الشعر نبتة طيبة مباركة تسامقت على مر العصور وجدد شبابه شعراء وأدباء كبار عبر العصور المختلفة. وهو يرى نفسه أحد جنود اللغة العربية الذين تهيؤوا للدفاع عنها » وأنا أرى أنه بحق أحد أولئك المخلصين الذي أفنوا حياتهم يدافعون عن لغتهم وأدبهم ، فقد كان الأستاذ المرحوم نديم خديجة صديقاً لي وكنت أعتز بصداقته كثيراً «. وسأترك للشاعر نفسه ليحدثنا عن رأيه في هذا المجال من خلال مقدمة ديوانه الذي كان يحضره للطباعة ولكن الأجل سبقه فتعثرت خطوات الطباعة » وقد أسرّ لي ابنه الأستاذ أبو الهدى خديجة أنه سيتابع طريق أبيه في هذا المجال وسيطبع ديوانه الشعري في وقت قريب « . يقول الأستاذ محمد نديم خديجة : » لقد كثر الشعراء في القرن العشرين ، عصر النور والمدنيّة ، عصر الذرة والكهرباء والأقمار الصناعية ، ولكن أفكارهم تضاءلت وأظلمت ، وتصوراتهم تهلهلت ، وتفعيلاتهم في الشعر الحديث المستمد من الغرب تبهدلت واهترأت وتبدلت. فضعفت عباراتهم ، وانحطت جملهم وجمدت ألفاظهم ، ولم يحسنوا إلا تنميق الكلام دون الوصول إلى بلوغ المرام فكانوا متبروظين ، متنظنظين « . ولعلها طعنة مركزة ، ومقصودة من سعيد عقل اللبناني وجماعته مصوّبة إلى صميم الشعر العربي الأصيل . فهل هناك أحلى وأجلى من حكم محمود سامي البارودي الشاعر المصري ، وشعر وجيه البارودي الحموي ، وأشعار حافظ إبراهيم ، وأحمد شوقي ، وصدقي الزهاوي ، ومهدي الجواهري ومعروف الرصافي والصافي النجفي وعلي الجارم ، وأنور العطار ، وعمر أبو ريشة ، وغير هؤلاء الأفذاذ ممن لا يحصيهم العدد ولا العدة . وكيف بي أن أقف مع الأفراد الذين مضغ الحقد أكبادهم وتغلغل في حنايا صدورهم يتحينون الفرص من أجل أن يتسقطوا أخطاء الناس . يقول الشاعر : وعيُن الرِّضا عن كل عيب كليلة ً كما أن عين السخط تُبدي المساويا فالإنسان العظيم يشعر الناس بعظمته من صدق إنتاجه ، لا عن طريق الغرور بالشهادات والإجازات المشتراة من الجامعات التجارية ، وربما فإن هؤلاء أرباب الكفاءات العلمية الحرة التي تقف عند حد . وخاصة بعد أن أصبحت الشهادات تشترى وتباع ، وعلى كل حالٍ فكل ذي نعمةٍ محسود يقول الشاعر : إن العرانين تلقاها محسدةً ولا ترى للئام الناس حُسَّادا ويقول شاعر آخر : كل العداوات قد ترجى إماتتها إلا عداوة من عاداك عن حسدٍ وسأل أحد المذيعين المتعاظمين المتشدقين الشاعر الأمير العبقري عبد الله الفيصل عن الشهادات التي يحملها ، فرمقه الأمير الشاعر بنظرة ساخرة وقال للمذيع » أحمل شهادة لا إله إلا الله « . وَلَمَزَهُ بعبارة تليق بمقام المتشدقين . يا أخي يعني لا يجوز أن أكون شاعراً إلا بالإجازة والشهادة ؟! ..«. ويمضي أديبنا نديم خديجة على هذا النمط في استعراضه لأهمية الموهبة الفطرية لمن يريد امتلاك ناصية الشعر ، ويندد بالذين يتطلعون إلى الغرب محاولين تغيير هويتهم بتغيير مفردات شعرهم لأنهم يريدون نقل أسلوب الغرب في تعاطيهم للشعر حتى ولو كان لا يتلاءم مع طبيعة فكرنا وحياتنا وإحساسنا. ويمضي شاعرنا في تفنيده لمقولاتهم وبسطه لما جبلت عليه السليقة العربية من إعلاء لشأن المبدع وتعظيم للموهبة والفطرة لأنها الموجه الحقيقي لمكانة الشاعر فيقول : » .. وأين السليقة العربية ؟! .. فهل كان زهير بن أبي سُلمى وامرؤ القيس وطرفة ولبيد والأخطل وجرير والفرزدق وعباس العقاد من حملة الدكتوراه أو الليسانس ؟ أم ماذا ؟! إنه من جنون العظمة ومرض العصر ، وكأن الكلام وقف على هؤلاء ولا يجوز لغيرهم أن يتكلم أو يجتهد وهم وحدهم أهل الرأي والحل والعقد ، ونسي ذلك الإنسان المتعاظم الأهوس . بأن المرء بأصغريه قلبهِ ولسانه فإذا منح الله العبد لساناً لافظاً وقلباً حافظاً فقد استحق له الكلام بَيْدَ أن الشاعر يهذي مبدئياً ويبدع نهائياً. وزهير بن أبي سلمى قال : ما زلت أهذي حتى قلت الشعر ، وهو صاحب الحوليات والرسول العظيم يقول » كل ابن آدم خطاء « . والشاعر العربي يقول : من ذا الذي ما ساء قط ومن لـه الحسنى فقط وبشار بن برد يقول : ومن ذا الذي ترضى سجاياه كلها كفى المرء نُبلاً أن تُعَدَّ معايِبُه وهناك ردود كثيرة على أوشاب الناس المارقين وأوباشهم المنحرفين «. ولنعد الآن إلى سيرة حياة شاعرنا . فقد ولد عام 1929 في مدينة أريحا من أعمال محافظة إدلب من أسرة بسيطة عُرفت منذ القديم بالكفاح في سبيل حياة شريفة كريمة . وهذه الأسرة تمتد بأصولها إلى معرة النعمان بلد حكيم المعرة وشاعر العرب (أبي العلاء المعري) وكانت تسكن في أول أمرها في قلعة المعرة . ولذا فهي من أسرة أصلية من أسر المعرة . وشاعرنا لا ينسى أصوله فهو يخص المعرة وأهلها وأسرها بقصيدة يحييها فيها ويذكرنا بأجداده ومكانتهم فيقول : إني أحيي من صميم فؤادي بمعرة النعمان رحت منادياً أنا نُطفةٌ فواحة من عنبر جدي الأمير ومن بقلعته نما هو قائد فذ عظيم نابهٌ عبد لربِّ القدرة العالي الذي إن أغفل التاريخُ بعضَ شئونه فبنوا خديجة في محط رحالهم حملوا لواء العرب حُراً خافقاً فسلوا العروبة عن نضارة ناسها وبنو غريبٍ ثم شحنة كلهم والأبرش المعهود فيهم أنهم واليوسفي وما بهم من ماجد وكذلك الجندي ناسٌ جُلُّهُمْ وأبو العلاء بفضله وبعلمه هو شاعر ما بعده من شاعرٍ إني لأفخر بالمعريِّ الذي متفقِّهٌ متفلسِفٌ متهجِّدٌ بمعرتي بمدينتي شعبٌ علا منهم الكرام عرفتهم وخبرتهم جج بلدي وأهلي والنبي النادي أنا يعربي الأصل والأجداد أنا من سليل القادة الأمجاد شرف العروبة راسخَ الأوتاد ومقاومٌ لصلابة الأوغاد وهب الوجود فضيلة الإيجاد فالشعب يعرف عُمدة الآساد في القلعة الشماء في الأنجاد رغماً عن الأعداء والحسَّاد كيف استراح الناس قرب النادي وبنو الحراكي والهزبر عمادي عُمُدُ النضال بقوة الإعداد أعلى وأحلى منتهى الإسعاد علماءُ معرفةٍ وقوم سداد يعلو ويسمو قِمَّةَ الأسياد ملأ الوجودَ بلاغةً الإنشاد أعطى لخلق الله حُكم الضاد متنسِّكٌ متوتِّرُ الأوراد متن الرعود وصهوة الأجياد وهم العظام على مدى الأبعاد ولا ينسى وهو في قمة نشوته وافتخاره ببلدته المعرة أن يتذكر أهلها فيعدد الأسر التي كان ولا يزال لها شأن في تاريخ المعرَّة وسوريا من أمثال أسرة الجندي واليوسفي والأبرش وغيرهم .. وهذه السمة التي ذكرناها (وصف الأسر والبلدان). ستبقى ملازمة له في شعره . ويبدو أن الأسرة لم تستقر في مدينة أريحا ، إذ سرعان ما انتقلت إلى حلب واستقرت فيها . وفي حلب نشأ شاعرنا الأستاذ محمد نديم خديجة . وبدأ تعليمه كعادة أبناء الأسر في تلك الفترة . بالكُتَّاب ، وانتقل إلى التعليم الابتدائي ، ثم الثانوية التي درسها في الثانوية الشرعية (الخسرفية) . ويذكر لنا الأستاذ أبو الهدى خديجة (ابن الشاعر) أن أباه تلقى العلوم في هذه المرحلة على يد كبار رجالات الأدب والعلوم . من أمثال (عبد الحميد أبو الورد ، وعمر السيد ، والشيخ راغب الطباخ- صاحب كتاب إعلام النبلاء في تاريخ حلب الشهباء- والشيخ إبراهيم السلقيني . وحفظ القرآن منذ أن كان في السادسة من عمره على يد الشيخ محمد أبو الورد وعندما حصل على الثانوية الشرعية انتسب إلى كلية الشريعة بدمشق وتابع دراسته فيها ثم سافر إلى القاهرة ودرس في جامعة الأزهر إلا أنه لم يستطع أن يكمل دراسته لظروف مادية صعبة كان يمر فيها ولذلك عاد إلى حلب ليعين مدرساً لمادة التربية الإسلامية في ثانويات حلب . ونظراً لقدرته التي ظهرت واضحة في الأدب والنحو والبلاغة ولشاعريته الفذَّة انتقل إلى تدريس اللغة العربية فبرع فيها وظهر تفوقه من خلال كتاباته الكثيرة التي كان ينشرها في الصحف المحلية والعربية كمجلة أضواء اليمن ، ومجلة الفيصل السعودية- والعربي الكويتية... وغيرها . أما الشعر فقد ظهرت موهبته مبكرة فعَرض الشعر وهو في الثامنة عشرة من عمره وألقى الكثير من قصائده أمام أساتذته وفي المنتديات ومجالس الأدب . وقد اشتهر الأستاذ الشاعر محمد نديم خديجة بروح الدعابة فقد كان حاضر البديهة بارع النكتة موسوعي المعرفة بارعاً في الأنساب وعالماً فيها على مستوى العائلات الحلبية وعائلات مدينتي المعرة وأريحا. أما شعره فقد تميز الأستاذ نديم بأنه متعدد المواهب فقد طرق كل أبواب الشعر وبرع فيها جميعاً . وبخاصة تلك التي يخاطب فيها المدن فقد كان وصافاً للمدن معجباً لها وهو حين يصف المدينة يقرأ تاريخها ويعدد مآثرها وأعمالها ومكانتها فلنستمع إليه وهو يصف مدينة دمشق فيقول : خَلِّ القَريضَ لأهل العلم والشأن وأسلك طريق الهدى من غير نكرانِ دمشق يعرفها حتماً ويدركها كُلُّ الخلائق مِنْ إنس ومِنْ جانِ دمشق عاصمة في الشرق زاهية ما مثلها في جمال الكون من ثانِ مدينة الخلد والتاريخ يألفها أيضاً ويعشقها أحفاد قحطانِ مرت عليها من الأحقاب أزمنة ركن العدالة بادٍ دون غمغمة إني أقول وقولي كلُّه ثقة ما مثلها نظرت عيني ولا سمعت أمُّ البلاد على الإطلاق سيدةٌ وقبـلةُ العرب في التأريخ ماضية هـذي دمشق وهذا نهرها بردى إني لأعشقها فعلاً وأذكرها فـإن أتيتُ على جُلَّى ومكرمة وإن ذكرتُ الهوى مالت بغوطتها ونهرها بردى باهٍ بمسلكه تسقي دمشق وتردي كُلَّ غوطتها وفيجةٌ ماؤها صافٍ كأنّ به يا حبذا لو رأيت الزهر من بُعُدٍ أو لو رأيت الورود الحُمْرَ زاهيةً هذه دمشق عروس جَلَّ صانعها بنو أمية كم كانت لهم نُبَذٌ هم للعروبة حقاً خيرُ ملحمةٍ هم للبطولة دوماً خيرُ معتركٍ هم للأصالة نُعمى لا مثيل لها والعرب في عهدهم كانوا زمردةً فاسأل دمشق وسائل مَنْ يجاورها هل فاز فيها ظلومٌ واستبدَّ بها فيا دمشق وروحي أنت يا أملي وكان فيها من التمجيد ركنان والحق في بردها الزاهي كإعلان من دون شك على الإطلاق قولان عن أي قطرٍ من الأقطار آذاني فيها العروبة قد طابت بعدنان على الدهور يراها أيُّ إنسان جنباً لجنبٍ مع الأيام صِنوان وأرفق الحبَّ فيها كل تحناني دمشق والعرب في التاريخ سَيَّانِ تياهة وزهت في كل بستان فروعه سبعةٌ في كل ميدان يا حسنها دائماً في تيه نشوان ثلجاً مذاباً يُرَوّي كل عطشان تخالُه سندساً في ثوب مرجان باهيةً طلقةً في لونها القاني فيها الكمال تحدى كلَّ فنّانِ من الحكايات للقاصي وللداني يكون فيها عظيمُ الفضل والشانِ ضد العداوة من فرس ورومانِ قادوا السفينة في إحكام رُبَّانِ لولاهُمُ لكبت ذلاً بخسران من عهد عيسى إلى تاريخ غَسَّانِ إلا وكان لـه قهرٌ بخذلانِ حَماكِ ربكِ من ظُلمٍ وعدوانِ من خلال قراءتنا لقصيدته البديعة في دمشق وما حوت من وصف لعمرانها ورياحينها ومائها العذب النمير وعظمتها عبر التاريخ والتي جعلتها عاصمة لأعظم حضارات الدنيا نجد أن شاعرنا الأديب المبدع يقترب كثيراً من الصنوبري شاعر حلب المعروف وما روضياته التي اشتهر بها بأحسن مما قاله الشاعر نديم خديجة في دمشق . وله في حلب قصائد عديدة يتغنى فيها بجمال المدينة التي احتضنته طفلاً وشاباً وشيخاً ويستعرض تاريخها مفاخراً بها من القلعة الشامخة التي تحوي تاريخاً عظيماً لمدينة عظيمة إلى قائدها العظيم سيف الدولة الحمداني الذي اقترن اسمها بها فأصبحت مدينة (سيف الدولة). وحُقَّ لها أن تفخر بهذا القائد العبقري الذي بنى مجدها فأعلى بنيانه على مر الزمان. يقول الأستاذ نديم : مدينة جَلَّ من سَوّى مناحيها وأعمر الأرض في شتى نواحيها أقام فيها مِنَ التاريخ مفخرةً على الدهور شعوبُ الأرض تحييها لعل منشئها دانت لـه عُمُدٌ من الفضائل في أحلى مبانيها كانت وما برحت تعلو مُضَمخَّةً بالمسك والعطر أشهى ما يُحلِّيها وهذه حلبٌ في كلِّ معتركٍ لها الأصالة دوماً في تساميها كأن قلعتها نَسْرٌ على جبلٍ تطلُّ من بُعْدٍ تحكي مواضيها تسمو وتزهو وتعلو كلَّ مرتفع على البلاد وعين الله تحميها تاريخها حافل بالنصر يعرفها كلُّ الخلائق من أعماق ماضيها وشعبها طيب الأخلاق مزدهر فيه الرجولة في أسمى معانيها وسيف دولتها كالشمس ساطعةً تعم أنوارها الدنيا وما فيها رعى البلاد بعهدٍ كان مؤتلقاً بالانتصار على الرومان راعيها وها هو المتنبي شاعر لَبِقٌ فاق الدنا رائداً أقصى أقاصيها فمالئ للدنا شعراً وشاغلهم للناس يا ويحه الحسن يُنَمِيها فأين أين بنو حمدان فارسهم أبو فراسٍ لها في الحرب يُذْكِيها شهباؤنا حلوةٌ واللهِ شائعةٌ ما أبهج العيش يبقى طيِّباً فيها بوركت يا حلب الأحرار زاهرةً أنت الحديقة من دمعي أروِّيها ولـه في حلب قصيدة أخرى يتحدث فيها عن شخصياتها وعلمائها وأدبائها . وهو في هذه القصيدة ينفرد عن غيره بأنه ينهي كلَّ بيتٍ بكلمة حلب .. وهذا نمط لم يُعرف في الشعر العربي إلا نادراً. يقول الشاعر : ماذا أقول عن الأدب والشيخ بدر الدين نعسانيُّ طلابه بلغوا العلا وابن العديمِ مُؤرخٌ ماذا أقول عن الطرب والسيد الدرويش أمَّ فالبطش داسَ سماحَهُ عبد الوهاب محمد ولأم كلثومٍ طرب تاريخنا الطباخُ أرَّخَهُ ولكامل الغزي فضلٌ قد كان في نهر الذهب ولفارس العليا هنانو فن رفيعٍ في حلب أدَّب في حلب كانوا جميعاً من حلب سوى وألَّف في حلب فنٌّ أصيلٌ في حلب مدينة الدنيا حلب وسمت به أيضاً حلب غنّى ولحّن في حلب جاءت تغني في حلب وأعلى في حلب في الكتابة عن حلب علم غزير في حلب ثورة عمت حلب ويستمر في قصيدته معدداً رجالات حلب من أمثال المطران جرمانوس وقسطاكي الحمصي وعبد الله يوركي حلاق وغيرهم : مطراننا فرحاتُ جرمانوس والإدلبي زميله وكذلك الحمصي قسطاكي يوركي عبد الله حلاقُ ومجلة الضاد العريقة موسوعة الأسدي أحلى عاداتها أفراحها خَلَّدَ في حلب وفىَّ وقدَّس في حلب نظَّم في حلب تَرَنّم في حلب ساهمت فيها حلب ما أشادت في حلب أعراسها العظمى حلب ويذكر قبل أن ينهي قصيدته نَفْسَه في القصيدة على أنه أحد الذين غنى شعره في حلب فيقول : ونديمنا بخديجةٍ علمائنا أدباؤنا فاقرأ تَرَ التاريخَ يحكي كل الأماجد والعرب ما أجمل الذكرى وفيها أنا من أريحا إنني في شعره غنّى حلب شعراؤنا هم من حلب دائماً أبداً حلب عاشوا كراماً في حلب دائماً تبقى حلب أهوى لمن يهوى حلب وكما ذكرت سابقاً فقد كتب الأستاذ نديم خديجة عن معظم المدن السورية وأشاد بها وعدد مناقبها . وكانت هذه هي إحدى سمات شعره في هذا المجال . ولكن نديماً لم يكتب في هذا المجال فقط بل كما ذكرنا تعددت مجالات الشعر عنده فكتب في الغزل وكتب في المديح وكتب في التأملات الدينية. ولكن أبرز ما كتب فيه بعد الوصف الذي أتينا على ذكره هو الغزل . وشعر الغزل أقرب إلى روح الأستاذ خديجة لأنه شاعرٌ محبٌ للجمال تصاحبه روحٌ متألقة وثابة لا تطمئن إلا في مرابع الحب والجمال . وقد شهدنا له في مجال وصف الطبيعة ما شهدنا من خلال وصف دمشق ومغانيها وحلب ورياضها وأزاهيرها وفنها . وللحب في نفس شاعرنا عهدٌ طويل كتب عنه في مقدمة ديوانه (الذي لم ينشر بعد) ما يلي : » الحب هو الحب بكل ما فيه احساسات ومشاعر ومفاهيم ، ومعانٍ تسمو فوق كل شيء. ومن لا يحب يبقى جامداً ، صلفاً ، عُتُلاًّ ، غليظاً ، بعيداً عن الأطوار الإنسانية ، والأعراف والتقاليد الوجدانية . فالذي تعوّد أن يسمع صرير الصراصر تؤلمه أصوات البلابل والعنادل . والحب لا يكون سلعة يتاجر بها ، أو يساوم عليها ، وإنما هو قناعة نابعة من الذات ، ولم يقم الحب على الإكراه ، ولا يستطيع إنسان في هذا الوجود أن يفرض حبه على الآخرين « . ويتابع الأستاذ خديجة مؤكداً على أن للحب وسائله الخاصة التي تشد المحبوب إلى حبيبه فما أن يأخذ الحب مكانه في قلب الحبيبين حتى » يرتاح ويطمئن ويصنع الأعاجيب وخاصة إذا توّج بالإخلاص ...«. هذا هو يحدثنا عن مغامرة في الحب فيقول : لاطفتني بحديثٍ فيه حبٌ فيه قرب فيه غنج فيه دعج فيه ما فيه حبيبي عربدات قبلات همسات لمسات وشوشات بشبشات آنستني باحثتني ثم قالت هاك ثغري ضمنا حبٌ عميق قلت يا روحي رويداً اقترب مني فإني أعلمت الآن أني إنه وزر الأفاعي أثقلوني في همومٍ عقدوني كبَّلوني مَزَّقوني شتتوني ورموني في بواد فيه أنواعُ الكلام فيه شربٌ وهيام فيه أنس وابتسام كل ما فيه غرام حمحمات واضطرام دغدغات واحتدام وهديلٌ كالحمام نادمتني باحترام واعتصر فيه المدام ناء عنه الاحتشام فأجابت باهتمام قد براني الاحتلام لا أُلام لا أُلام إنهم أهلي اللئام ضج منها الانفصام في مسارات الزِّحام في سياج الاعتصام عمها كُلُّ الظلام وينهي الرحلة معها في مسارات الغرام وهي تتمرد على كل الأعراف والتقاليد التي كبلتها وعقدتها . وفي قصيدة أخرى نراه يصف كاعباً حسناء يغفو على صدرها ويشرب من عذب ثغرها رحيقاً مسكراً صافياً . في ظل نهديك أغفو ثم ينهمر في ظل نهديك رقّ النوم يا عمري لما بدا وجهك الوضاح آنستي كم كنت أطلب من ربي يكرمني وقفت أدعو بأن ألقاك غانية فما شممت أريجاً لا ولا عَطِراً وما الخضار بأبهى منك آنستي وما الجنائن أرقى منك مُزْدَهَراً وما الحدائق إلا أنتِ رانيتي إني أراك كما ألقاك في خلدي إني أراك ثريا لا مثيل لها إني وجدتك في علمي وفي أدبي جلست أنظم أشعاري مُمَجَّدةً فيكِ البهاء وفيكِ الحب والعبرُ وكنتِ في ناظري شمساً تنورني عذبُ الفرات نقياً ثديك العطر ومن شفاهك طاب المص والسُّكْرُ وأشرق الكون في دنياي والقمر بذات حسن فكان النور والقدر فكنتِ أنتِ وكان الليل والسمر إلا بخديكِ يحلو الورد والزهر وما الربيع بأحلى منك والشجر ولا البساتين والأوراق والثمر وما الحياة بأزهى منك والعمر وليس يعنيك إلا اللمحُ والبصر فيها التأمل والإلهام والصورُ تَحَدَّثُ الكتبُ عن ماضيك والسِّير وفي معانيك يصفو الشِّعر والسَّهر فيك المعالم والآثار والأثر فزادني بهجةً النور والنظر وهو لا يستطيع أن يفارق هذا السلوك في شعره حتى وهو يصرح لمحبوبته أن حبّه حب بريءُ فلا بد أن يشرب من كأس الحب ولو رشفة . ولكننا نشهد لـه أن صوره أنيقة جميلة وألفاظه سهلة المأخذ حلوة التركيب تشعرك وأنت تقرأ أبياته كأنك تعيش معها في حالة من الوجد يقول مصوراً حبيبة لـه يشع وجهها طهراً ونقاءً فتملأ قلبه بندى الحب الطاهر الخجول البريء : من نور عينيك شعَّ الطهر والخجل ومن جبينك بان الوجد والأمل وفي لحاظك آيات مرتَّلةٌ من البراءة تفضي عندها المقل شاهدت وجهك يحكي قصة حُبِكَتْ من النضارة فازدانت بها السُّبُلَ سواك ربك أحلى ما يكون وما يختاره الفنُّ والفنان والزَّجل أرنو إليك وأسهو كلما خطرت بي الظنون وضاقت عندها الحِيَل أدنو بقلبي وذاك القرب يفرحني وإنّي في هواك الصَّبُ والغَزل ناديت نفسي فَلَبَّت كلَّ جارحة وطأطأت رأسها طوعاً لها المُثُلُ فأنتِ أنتِ وما يدربك سيدتي ملكتِ قلبي وروحي فيكِ تتصلُ مدِّي يديك تعالي بَلِّلِي ظمئي هاتي شفاهك كي تحظى بها القُبَل حُبِّي بريء ولن أرضى به بدلاً فالله يشهد أنّي فيك أشتعل وهذا المحب الظامئ دائماً إلى الحب ورشف شفاه المحبوب نجده فجأة في قصيدة أخرى يرتقي بمشاعره فيرى الحب تسبيحاً في ملكوت الله ويرى الجمال نفحة إلهية سامية يمنحها الإله لعباده . رأيت الله في الوجه الصبيح وسبحت الإله وقد حباني أجيل الطرف لا ألقى حبيباً ففيه مسرتي حتماً وأنسي ومهما قِيل عن حبي ففيه وإني لا أوافق في حياتي ففي أرضي بروجٌ شامخاتٌ لذلك لا أنافق أو أحابي فإن أحببتُ حقاً يا عزيزي وإن أحجمتُ عن هذا وهذا وصدقي في الحبيب أعزُّ عندي وإني مدنفٌ صبٌ عليلٌ أداوي مهجتي بالصبر دوماً فيا فرحي عليه ويا سروري نديمي أنت يا أحلى نديمٍ فتطفئ غلتي وتنال مني وأدركت الحقيقة في وضوح من التفكير ما يغني طموحي كمن أحببتُ بالمعنى الصحيح وفيه مودتي وبه مَليحي معالجةُ الصحيح من القبيح على أمرٍ يُهَدِّمُ لي صروحي وفي نفسي من الأمل الفسيح وهذا كلُّ ما تغني شروحي فحُبِّي ذاك بالعربي الفصيح فإني بالتسامح كالمسيح من الدنيا وما فيها وروحي ومحبوبي يُضمِّدُ لي جروحي وأشكره إذا التأمت جروحي إذا مسح الحبيب دموع نوحي تقِدّمُ لي من الشعر الصريح رضاءً لا يضاهيه جموحي ولكننا وفي قصيدة أخرى نجده يتفكر في هذا الكون ويتساءل عَمَّن أوجدها ثم يجيب إجابة صريحة أن الله وحده هو الخالق لهذا الكون ، وهو بهذا يخالف الشاعر المهجري إيليا أبو ماضي الذي يقول في قصيدة الطلاسم متسائلاً : جئت لا أعلم من أين ولكني أتيت ولقد أبصرت قدامي طريقـاً فمشيت كيف جئت كيف أبصرت طريقي لست أدري فإيليا أبو ماضي يشك في كل شيء في الوجود ولا يعلم كيف وجدت أو من أوجدها أما شاعرنا فيتساءل تساءل العارف البصير بما يقول . يقول نديم خديجه : هذه النبتة مَنْ أوجدها هذه الأرض ومن فيها لمِنْ ؟ هذه الخضرة من حققِّها إنها من صنع ربٍ قادر فانظر الأفلاك تدركْ ما بها قمرٌ شمسٌ نجومٌ عالمٌ ونهار ناصع في ضوئه وبحارٌ بل وأنهارٌ بها ونظام قائم في ذاته كل هذا ملك ربي وأنا غيرُ ذاك الرب وهاب المِنَنْ والسموات العُلى أيضاً لمن ؟ غيرُ ربي دون رِبح أو ثمنْ خالق الأكوان مِنْ أقصى زمنْ من عظيم الشأن دوماً يا حَسَنْ واسعٌ جداً وفيهِ الليلُ جَنْ فجره أبهى من الوجه الحسنْ آية الإبداع أقوى ما يُظَنْ لا يضاهيه نظامٌ مرتَهَنْ عبدٌ على ما يرضي ربي مؤتَمَنْ وبعد فهذه جولة صغيرة جلناها في رياض شعر صديقنا الشاعر محمد نديم خديجة رحمه الله ولمسنا فيها من كل لون زهرةً فكان بستان شعره غنياً بأزاهير فواحة وصوراً مبدعة تجعلنا نتصور أنه لو عرف الناس شعره ولو وفِّقَ ابنه الأستاذ أبو الهدى خديجة بإصدار هذا الديوان سيكون له شأن ومكان لائق في عالم الشعر المعاصر دعبد الحميد ديوان .

ليست هناك تعليقات: